التحول الرقمي وتشغيل الأجراء عن بعد: إشكالات قانونية والحلول الممكنة .
التحول الرقمي وتشغيل الأجراء عن بعد: إشكالات قانونية والحلول الممكنة .
أصبح العمل عن بعد من الظواهر المهنية التي فرضت
حضورها في المغرب خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد جائحة كوفيد-19 التي دفعت
العديد من المقاولات والإدارات إلى اعتماد نمط جديد في تنظيم الشغل يقوم على أداء
المهام خارج مقر المؤسسة، و بالاعتماد على الوسائل الرقمية ووسائل الاتصال
الحديثة.
وعلى الرغم من غياب نص قانوني خاص ينظم هذا النوع
من العمل بشكل مباشر بالتشريع المغربي، إلا أن مجموعة من المقتضيات المتفرقة تسمح
بتأطيره ووضع إطار قانوني يمكن الرجوع إليه عند الحاجة.
فالعمل عن بعد لا يغير طبيعة العلاقة الشغلية
القائمة بين الطرفين، إذ يظل الأجير خاضعًا لنفس الحقوق والالتزامات كما لو انه
يؤدي العمل داخل مقر العمل ، بينما يبقى المشغل ملزمًا بنفس الضمانات التي يجب ان
تتوفر للأجير داخل مقر العمل. ويستند هذا التنظيم أساسًا إلى مبدأ حرية التعاقد
المنصوص عليه في الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود، والذي يسمح للمشغل
والأجير بالاتفاق على كيفية تنفيذ العمل طالما لا يمس ذلك بالنظام العام. وبذلك
يمكن للطرفين إبرام عقد أو ملحق عقد يحدد كيفية إنجاز العمل، الأدوات المستعملة،
ساعات العمل، طرق التقييم وآليات التواصل الإلكتروني، مما يوفر وضوحًا قانونيًا
ويقلل من فرص النزاع.
وبالرغم من كون العمل يتم خارج مقر الشركة، فإن
المشغل يبقى مسؤولاً عن سلامة الأجير، وعن ضمان ظروف مهنية تُمكّنه من أداء مهامه
دون مخاطر مادية أو تقنية. كما تظل ساعات العمل خاضعة لنفس المقتضيات المنصوص
عليها في مدونة الشغل، ولا يمكن الاتفاق على ساعات تتجاوز الحدود القانونية، إلا
في الحالات التي يسمح بها القانون. وبما أن هذا النمط يعتمد بشكل أساسي على
الأنظمة الرقمية، فإن حماية المعطيات الشخصية تبقى عنصرًا جوهريًا يؤطره القانون 08-09، وهو ما يفرض
على المشغل الالتزام بالسرية وعدم مراقبة الأجير بشكل يمس حياته الخاصة أو يخالف
القانون.
و من جهة أخرى، يبقى الأجير مطالبًا بالالتزام
بالسرية المهنية وبالحفاظ على الأدوات التي توضع رهن إشارته، وباحترام ساعات العمل
المتفق عليها، إضافة إلى التقيد بالتعليمات المهنية التي تصدر عن المشغل عبر
الوسائل الإلكترونية. أما من الناحية الجبائية والاجتماعية، فإن العمل عن بعد لا
يُسقط التصريح الإجباري لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا يغير من حقوق
الأجير في الأجر والعطل السنوية والراحة الأسبوعية.
ورغم هذا التأطير غير المباشر، يطرح العمل عن بعد
عدة إشكالات قانونية عملية، أبرزها غياب نص واضح يحدد حقوق الطرفين بدقة، وصعوبة
مراقبة ساعات العمل الفعلية، وإشكالية حوادث الشغل التي قد تقع داخل البيت، إضافة
إلى مسألة التوازن بين حق المشغل في مراقبة العمل وحق الأجير في الحفاظ على حياته
الخاصة.
هذه الإشكالات تجعل الحاجة ملحّة لاعتماد إطار
تشريعي خاص، يضع تعريفًا محددًا للعمل عن بعد ويبين التزامات الطرفين، ويقرّ بحق
الأجير في الانفصال الرقمي وتحديد التعويضات الخاصة باستعمال الوسائل الشخصية على
غرار ما فعلته مجموعة من الدول.
وهكذا يمكن القول إن العمل عن بعد في المغرب قائم
على قواعد عامة دون تنظيم تشريعي دقيق، مما يجعل صياغة العقود والوثائق الداخلية
شرطًا أساسيا لتأمين العلاقة الشغلية وضمان حقوق كل طرف. كما أن تطوير إطار قانوني
خاص أصبح ضرورة لمواكبة التحول الرقمي ولتوفير بيئة عمل أكثر وضوحًا واستقرارًا
داخل سوق الشغل المغربي.
الاستاد ماء العينين أعيش محام بهيئة المحامين
باكادير

تعليقات
إرسال تعليق