الارهاق الخفي في مهنة المحاماة
الإرهاق الخفي في مهنة المحاماة
بقلم الاستاذ ماء العينين اعيش محام اكادير المغرب
المحاماة ليست مجرد مهنة، بل هي رسالة ومسؤولية، تلامس
في جوهرها المعنى
الحقيقي للنضال من أجل الحقيقة، فهي ذلك الجسر الدقيق الذي يربط بين القانون والإنسان،
بين النص والضمير، بين ما يجب أن يكون وما هو كائن. غير أن هذا الجسر، مهما بدا متينًا،
يظل محفوفًا برياح الضغوط النفسية والأخلاقية التي قد تهز توازن صاحبه إذا لم يُحسن
الوعي بها وإدارتها.
فالمحامي يعيش في تماس مباشر مع هموم الناس ومعاناتهم،
يسمع شكاواهم، يقرأ تفاصيل مؤلمة من حياتهم، ويُطلب منه أن يكون في آنٍ واحدٍ صخرةً
من الصبر، وضميرًا حيًّا، ولسانَ حقٍّ لا يخاف. هذا القرب من الألم الإنساني يُكسب
المحامي حسًّا مرهفًا وعدالة داخلية، لكنه أيضًا قد يترك في نفسه ندوبًا خفية، فليس
من السهل أن تظلّ حياديًا حين ترى ظلمًا يتكرر، أو حقًا يُهدر، أو نظامًا يتباطأ في
إنصاف الناس.
و هكدا قد يجد المحامي نفسه في صراعٍ داخلي بين ما يُمليه
عليه الواجب المهني وما يُحرّكه في داخله ضميره الشخصي. فالدفاع عن متهمٍ، رغم وجود
شكوك داخلية في صدقه، قد يكون واجبًا قانونيًا، لكنه في الوقت نفسه امتحانٌ صعب للقيم
التي تربى عليها، من هنا يعيش كثير من المحامين ما يُعرف في علم النفس بـ«الإصابة الأخلاقية»،
وهي شعور خفي بالتعب أو الذنب رغم أداء الواجب، لأنه يرتبط بمعاناة الآخرين أو بمآلاتٍ
لا يستطيع تغييرها.
وليس الضغط النفسي وحده ما يثقل كاهل المحامي، فالمهنة
تمتد بظلالها إلى حياته الشخصية،حيث يخطئ من يظن أن المحامي يترك قضاياه في المكتب
قبل أن يعود إلى بيته، فالقضايا تسكنه، تلازمه في أفكاره، وقد تطارده حتى في أحلامه.
كثير من المحامين يجدون صعوبة في فصل حياتهم المهنية عن حياتهم الخاصة، فالإرهاق الذهني
والمواعيد والضغوط تجعلهم أحيانًا أكثر صمتًا أو عصبية أو انعزالًا. وهنا تظهر الحاجة
إلى وعيٍ خاص بطبيعة هذه المهنة، فالصمت بعد يوم طويل ليس برودًا، بل إنهاك ذهني، وأن
التوتر الذي يحمله المحامي ليس موجّهًا ضد احد، بل هو جزء من مسؤولية ثقيلة تتطلب تركيزًا
مستمرًا، و ما يعمّق هذا التوتر هو شعور المحامي أحيانًا بأن العدالة التي يسعى إليها
بعقله وقلبه لا تتحقق بالسرعة أو الوضوح الذي يتمناه. فكثير منهم، خاصة الملتزمين أخلاقيًا،
يشعرون بخيبة أمل من بطء الإجراءات أو من ثغرات النظام أو من تدخلات تُضعف الثقة في
المؤسسات.
هذه التجارب قد تولّد نوعًا من الإرهاق الوجودي، حيث
يفقد المحامي الحافز والإيمان بجدوى النضال المهني ومع ذلك، يبقى الوعي بأن العدالة
ليست نتيجة آنية، بل مسار طويل من التراكمات والمواقف النزيهة، كفيلًا بأن يعيد للمحامي
طاقته ومعناه.
إنّ المحامي ليس آلة قانونية، بل إنسان يحمل في قلبه
همّ العدالة، وفي ذهنه نصوص القانون، وفي وجدانه توترًا دائمًا بينهما. هو الذي يُقاتل
بالكلمة والقلم من أجل حقٍ قد لا يكون له، ويُرهق نفسه في مرافعةٍ لا تترك له إلا صدى
صوته. إنّ فهم هذا البعد الإنساني من المهنة مسؤولية الجميع
فالمحامي حين يصل الى التوازن بين رسالته وحياته، بين نداء العدالة وصوته
الداخلي، يصبح صوتًا أقوى للحق، وإنسانًا أكثر سلامًا مع نفسه ومع العالم.

تعليقات
إرسال تعليق