جيل Z المغربي، صرخة الشباب من أجل العدالة والكرامة في زمن الرقمنة:
جيل Z المغربي، صرخة الشباب من أجل العدالة والكرامة في زمن الرقمنة:
يشهد المغرب في الآونة الأخيرة موجة من الاحتجاجات الشبابية غير المسبوقة، سواء في الشارع أو على مواقع التواصل الاجتماعي، تعبّر عن رفض صريح لواقع اقتصادي واجتماعي متأزم. ورغم تنوع مظاهر هذه الاحتجاجات و اشكالها، إلا أن القاسم المشترك بينها هو أن أبطالها ينتمون إلى ما يُعرف عالميًا بجيل Z، وهو الجيل المولود تقريبًا في نهاية التسعينات و الذي نشأ في زمن الإنترنت والهواتف الذكية والتواصل الفوري و المباشر عن طريق الخدمات الرفمية.
فجيل Z هو جيل متصل دائمًا بالعالم الرقمي، لكنه في الوقت نفسه يشعر بعزلة اجتماعية متزايدة. إنه جيل لا يتحمل الغموض أو الكذب كما عبر عن دلك المفكر جورج لِوي في كتابه "Génération Z: mode d’emploi ، ويطلب تواصلًا صادقًا ومباشرًا، يبحث عن القيم والعدالة قبل البحث عن المال أو المكانة، ويرفض السلطة الأبوية أو التسلط في الأسرة والمدرسة والإدارة. كما أنه جيل يحتاج إلى الاحترام قبل الطاعة، وإلى المشاركة بدل التلقي، ويمنح ولاءه فقط لمن يراه صادقًا وشفافًا.
وعند مقارنة هذه الصفات بما نعيشه في المغرب اليوم، يتبين أن الاحتجاجات الشبابية ليست مجرد ظاهرة محلية، بل هي جزء من تحول عالمي في وعي جيل Z، فالشباب المغربي يعبر اليوم عن رفضه للخطاب الخشبي الذي لم يعد يقنعه، ويريد لغة صريحة تعترف بالمشاكل بدل تزيين الواقع و تزييفه. كما أصبح الفضاء الرقمي بالنسبة إليه أداة مدنية قوية، يعبر من خلالها عن مواقفه وينظم حملاته دون وسطاء، مستعيضًا عن الأشكال التقليدية بالتعبير المباشر عبر "تيك توك" و"إنستغرام" و"يوتيوب". إنه جيل يبحث عن الكرامة قبل المطالب المادية، ويرى أن التنمية لا تُقاس فقط بالأرقام بل أيضًا بمدى احترام الإنسان داخل وطنه. وقد تراجعت ثقته في النخب السياسية والإعلامية التقليدية، وفضل الإصغاء إلى المؤثرين والمستقلين الذين يشعر أنهم أقرب إليه وأكثر صدقًا.
احتجاج جيل Z المغربي لا يعكس فوضى أو عداءً، بل هو في جوهره صرخة من أجل القيم والاعتراف بالمشاكل الحقيقية التي يعيشها المجتمع من فساد محسوبية و غيرها. إنه جيل يريد أن يشعر بوجوده، أن يكون له دور في تقرير مصيره، وأن يرى في بلده عدالة وشفافية وتكافؤًا حقيقيًا للفرص. احتجاجه ليس فقط على الأسعار أو البطالة، بل على نمط من التواصل والسلطة لم يعد يناسب روح عصره.
هذا الواقع يفرض على الدولة والمؤسسات والإعلام أن يتبنوا أسلوبًا جديدًا في التواصل، يقوم على الصراحة والإنصات بدل الإملاء. كما أن المدرسة مطالبة بتنشئة شباب قادر على التفكير النقدي والمبادرة، لا على الخضوع والتلقين، والإعلام بدوره يجب أن يتحول إلى فضاء للحوار العمومي بدل أن يبقى أداة لترديد الخطاب الرسمي. فجيل Z لا يريد من يعلمه ماذا يقول، بل من يستمع إليه حقًا. وهو جيل مليء بالطاقات والإبداع، لكنه يحتاج إلى الاحترام والمشاركة ليشعر بالانتماء والثقة في مؤسساته.
إن جيل Z المغربي ليس متمردًا من أجل التمرد، بل يمثل مرحلة جديدة في وعي المجتمع. احتجاجه هو تعبير حضاري عن رغبة في وطن أكثر عدالة وشفافية وكرامة. وإذا أحسّ هذا الجيل بأن صوته مسموع وأن جهده مقدّر، فإنه سيكون القوة الإيجابية الأكبر لتطوير المغرب .
فالإصغاء إليه اليوم أفضل من تجاهله إلى أن يصبح الصمت مستحيلًا امام تراكم المشاكل و الازمات و المؤامرات الخارجية .
.png)
تعليقات
إرسال تعليق